بقلم السامي الإحترام جوزف أبو زهره
ما موقف الماسونية من الاديان؟
اتعترف بالمسيحية والاسلام وتؤمن بالرسل والكتب السماوية فقط؟
ام انها تدين باليهودية فقط؟ ويأتي جزم الباحثين ليؤكد:
” ليست الماسونية سوى نكران جوهر الدين وان قال الماسون بوجود اله، فانما يريدون به الطبيعة
وقواها المادية، او جعل الاله والانسان كشيء واحد “.
تتفق الماسونية في الالحاد والتجديف في حق الله وان كانت بعض المحافل والهياكل تتباين وتفترق في حقيقة الاعتقاد. ان بعض المحافل تسمي “الاله ” “ادونيرام ” فاذا بلغ البعض عندهم الدرجة الثالثة، درجة الأستاذ كشفوا له سر هذا الاسم قائلين له: اعلم ان ” ادونيرام ” في مذهب الماسون إنما هو:
” ايزيس” إله المصريين القدماء
” ميترا “ إله الفرس
” باخوس “ إله الرومان، او احد الآلهة المتعددة الذين كانوا في سالف الزمان يمثلون الشمس او القمر أو النجوم او الكواكب او بعض الجن.
ثم تأتي الدرر لتكمل المعزوفة: ” هناك بعض المحافل تدين بالولاء للشيطان وتتخذ إلهاً من دون الله وتحكمه في شؤونها وتشركه في اعمالها”.
لكنهم يستدركون و يرحموننا باستطرادهم: ” وعبادة الشيطان عند رجال الماسون لم يقل به احد ولكنهم يتواصلون فيما بينهم به ويدعون الى تلك العبادة في رسائلهم وكتبهم ومحافلهم “
لتأتي الخاتمة:
” ان إلههم ليس له اسم مخصوص فهو مهندس الكون العظيم اي الفاعل في الشغل على الزاوية فيحب جميع الناس الاحرار “.
هذه الأسطر القليلة توجز مضامين ستمائة عنوان لكتب موجودة في المكتبات وباللغة العربية:
” الماسونية ملحدة “.
تلك هي النغمة التي يرددها الكثيرون فهل يدركون تماماً معنى الآية الشريفة:
“اذا كان النور ظلاماً فالظلام كم وكيف يكون “.
المؤلف J.B.G. Galiffe في كتاب La chaine Symbolique يقول:
المادة الاولى: فقط الالوهة تمتلك اخلاصك. اعبد هذا الكائن الكلي الجلالة الذي خلق الكون بمشيئته ويحافظ عليه بعمله المستمر، الذي يملأ قلبك انما بعقلك المحدود لا تستطيع ان تتصوره او تحدده.
اشفق على التائه الذي يغمض عينيه للنور ويسير في متاهات الغيب المظلمة.
فليرفض قلبك الممتلئ بعطاءات ربك كل الدروب التي تنحدر بالعقل عندما يبتعد عن ينبوعه.
ترّفع بنفسك فوق كل ما هو مادي وانظر الى الاعالي، حيث يكمن ارثك ووطنك الحقيقي.
قدّم لربك ذبائح كبريائك وشهواتك، لتكون اهلاً لعطاءاته واحترم شرائعه طيلة فترة حياتك الارضية، ان تكون معجباً بربك هنا تكمن سعادتك وليكن هدفك دوماً الاتحاد به، ايها الانسان الضعيف هل لك الجرأة للنظر اليه وانت في كل لحظة تخالف اوامره وتهين قدسيته؟ ماذا يكون من امرك لولا حبه الابوي والابدي لك؟
اين تلقى مستقبلاً ثابتاً اذا استسلمت الى الضياع؟ وهل خلاصك الا بعدالة الله؟
في كل اعمالك ودون خبث او مراوغة اجعل من التقوى نوراً وبدون تعصب. مارس شعائر الفضيلة والاخلاق التي تفرضها عليك فتنال محبة الآخرين ونعمة الجالس على العرش.
ان الاحسان والمحبة هما قاعدتا الديانات السماوية فادخل اليها من بابهما. اعطف على كل خاطئ دون ان تضطهده واترك الحكم لله، ايها الماسون ابناء الله الواحد، والتي تجمعنا عقيدة واحدة، فلتكن هذه الجمعية اتحاداً لاخوتنا دون اي تشكيك.
يقول الملحد انه يؤمن بحرية الفكر، واولى به ان يقول انه يؤمن بحرية الكفر، الالحاد انكار لوجود الله، ولكن هذا الانكار هو تنكر للحقائق العلمية والطبيعة التي نثبت ان وراء المخلوقات، خالق ابدعها ودفعها الى النمو والتطور. كما ان المنطق يرفض ايضاً وجود لكائنات من ذاتها، دونما علّة خارجة عن كيانها.
ان الالحاد لا يستطيع ان يثبت وجود الكون من ذاته، فكيف يستطيع ان يثبت عدم وجود الله؟ الالحاد، اذا يهدف الى التملص من واجبات الروح نحو خالقها، فانه يرمي الى التعلق بالامور المادية والجسدية، وما ينجم عنها من اهواء ورغبات، دون تحمل اية مسؤولية تفرضها الشريعة والعدالة بهذا الصدد. وبتعبير آخر، الالحاد يبغي التحرر من تبعية الله، لكي تتاح له الفوضى الاخلاقية والاجتماعية التي لا يمكنه ان يعيش الا في اطارها.
وعليه، فالالحاد لا يرتكز على صفاء فكر، وسدد رأي، وقوة برهان، وصحة اختبار، وعمق في العلم والمعرفة، يجابه بها الايمان بالله.
الالحاد تحدّ لحقيقة الحياة، واصالة الانسان، وقدسية الروح. انه تطاول على المثل العليا، والرسالات الخيّرة، والتعاليم السماوية. ولكن الالحاد، لا حجة لديه ولا منطق، في كل ما يتحدى وما ينكر. فهو يقر بالحقيقة، في دحضه الحقيقة، لأن نكران الشيء دليلاً على عدم وجوده.
ان الحقيقة المطلقة الشاملة هي الله في وحدانيته وكماله وخلوده.
الالحاد تحدّ للمنطق والحكمة والمعرفة. فهو رأي سطحي يصدر عن فكر سطحي. في حين ان الايمان عمق في النفس، ينطوي على اصالة الكيان الروحي الذي يقرب الانسان من الله.
الالحاد تشويه للحقائق الايمانية. فهو لا يستطيع ان ينكر الاصل. فان انكر السبب انكر المسبب، وان انكر الروح انكر المادة.
انه يرفض، ويعارض، وينتقد، ويهدم، ولكنه لا يستطيع ان يصلح ويبني، لأنه اسير فراغه.
الالحاد يقاوم مفهوم المسؤولية الشخصية، فيهدم سعادة الفرد، كما يهدم سلامة المجتمع وكرامته.
انه فراغ يبعث في النفس الكآبة والقنوط. في حين ان الايمان بالله يمنح قوة وارادة لتحقيق حياة كريمة هانئة، كما يمنحه املاً ورجاءً في غد افضل يرتكز على اسس متينة من المعرفة والاخلاق، تؤمن له التقدم والرقي. لقد اقر العقل السليم والمنطق الصحيح حقيقة وجود الله عز وجل. ومبدأ السببية يقول:
ان لكل مخلوق خالق. فمبدع الكون هو الله المحيي القدير. وهو الكمال المطلق. كما ان العلم ايضاً، اذ يستند الى اسباب ملموسة وينتهي الى نتائج واضحة، يعترف بوجود القدرة الفائقة التي ابدعت هذا الكون، وهو الله عظمت قدرته.
وعليه، فان نشوء الكون عن طريق المصادفة امر مستحيل، بل غير وارد على الاطلاق.
ان كل ما في يشير بوضوح الى وجود الارادة والحكمة في تكوينه. وهذه الحكمة، وهذه الارادة، تتمثلان في الخالق العظيم الذي لا حدود لقدرته، انه الله السرمدي الابدي.
لا يستطيع الانسان، وهو محدود، ان يدرك سر الوجود اللامحدود. ان بامكان المرء ان يجمع، وينسق، ويحاول، ويكتشف، بما لديه من وسائل. ولكنه لا يتمكن من ان يخلق، لأن الخلق ويعني ايجاد الشيء من العدم. هو صفة من صفات الله وحده. فالكون وما فيه من آيات الله، تنطق بأنه الخالق المبدع. والطبيعة، اذ تسير دوماً وفق نظام الله وارادته، تظهر عظمة الخالق وقدرته وحكمته.
وهذا ما يدعو الى التأكيد، بأن ثمة اسراراً كامنة في هذا الكون، لا يستطيع المرء ان يدركها، ولا يستطيع العلم ان يكتشفها. ان اسرار الكون تقصر امامها الافكار، وتعجز عن فهمها العقول.
فالعلم مهما نمت قواعده، وتكثفت اختباراته، والادراك البشري مهما نضجت مقوماته، وتفتحت آفاقه، يبقى كلاهما محدود النشاط. امام عظمة الكون وما فيه من خفايا واسرار.
الماسونية في اوجز تعبير، خلاصة للفلسفة الاجتماعية، التي يمكن ان يتصورها الفكر، الراقي المجرد. ومن مزاياها، الحفاظ على السلامة الروحية والاخلاقية، كما وان ميزتها الكبرى، الابتعاد عن المشاحنات الدينية والسياسية، لأنها مشاحنات لا تنتهي، الا الى الضغن والحقد،وتأجيج نيراهما…
واذا نحن اغفلنا من الماسونية، تقاليدها التاريخية، استطعنا ان نجد الف صبغة وصبغة غير الحادية وهذا الشمول، رمز عظمتها ومجدها…
فلنا ان نقول انها يهودية ولنسمح بان ندل هؤلاء على الحجة الدافعة في هذا الشأن، وهي حجة التوراة، الا ان التوراة ههنا سند هام من الوجهة التاريخية وهو يدلنا على قدم هذه الجمعية.
ولنا ان نقول: انها مسيحية، لأنها تحث على السلم والوداعة والمحبة، وكل ما اتى به الدين المسيحي من آيات التساهل واللين…
ولنا ان نقول ايضاً: انها محمدية، لأنها في مجموع وصايها وفلسفتها، تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتشترط في الداخلين في سلكها، كل فضيلة ومكرمة…
ان الماسونية العملية، قد تكون وليدة كهنة فراعنة، او هي اساطير آلهة اليونان، او من نفحات ربانية الفينيقيين، أو نشأت في بناية هيكل سليمان، فتاريخها قد طمس، بالنظر لامتداد سلطات البنائين، في القسم القديم، من الكرة الارضية، هذا بالرغم من الاضطهادات، التي صادفوها، في العصور المظلمة.
وتاريخها على الوجه المعقول، اي تاريخ الماسونية الرمزية، يرجع الى عهد ابراهيم الخليل (1996-1821 ق.م ) الذي كوّن جمعية العمال البنائين، وامرها بهدم تماثيل الوثنيين، وكانت الجمعية الابراهيمية، مؤتلفة ومتضامنة معه…
اليس ابراهيم ابو البشر، خليل الله؟
ان الطرق الماسونية، كانت عشائر عمالية بناءة متوزعة، في كل امة، تديرها سلطات حاكمة، ثم تطورت مع الزمن، الى ان دخلها علماء واطباء وحكام، وكادوا يحولونها من البناء والعمران، الى الهدم والخراب، غير ان قادتها، كانوا من رجال الاخلاق، المعرفة والافهام…
فقوم اتبّعوا النزاعات الهدامة، و كانوا من الاشرار…
اما المنحرفون، عن جادة البناء، فكانوا قساة القلب متشككين لا يؤمنون بشيء ومثل هؤلاء، مثل اعداء النور، الذين يفعلون، من اجل مذهب فاسد، او فكرة منحرفة، اطمار بالية ملّونة، منها: الرومانية، الصهيونية، الشيوعية، الفاشية والنازية.
واذا كانت الاخلاق تقوم على نظرة الى الوجود تنطلق من السؤال عن الانسان: عن معنى حياته وقيمتها وهدفها، فالدين لا يقوم اساساً بدون نظر من هذا النوع. لكن الفرق الاساسي بين النظرة الدينية واية نظرة سواها الى العالم واية حقيقة من هذا القبيل في اطار حقيقة شاملة هي حقيقة الحقائق جميعاً.
هذا يعني ان لكل فرد دينه “الطبيعي ” اي الفطري، اي العقلي، الذي ينشأ بعيداً عن عقائد هذا الدين الموحى او ذاك وباستقلال عنها والى جانبها احياناً. وتعترف اديان الوحي بهذا الدين، بل تعتبره أساساً لها. فتقول المسيحية، على أساس لسان بولس الرسول: ” ان الامم التي لا ناموس لها هي ناموس لنفسها، لأن الله حفر قوانينه في صدور الناس جميعاً “.
ويذهب الإسلام الى القول بدين الفطرة، أي إلى أن الانسان مفطور على الدين او على معرفة الله و مما يتبع من هذا ان الدين الطبيعي اساس لقبول الدين الموحى.
والماسونية ليست كسائر المعتقدات الروحية التي نعرفها في المشرق والمغرب، اي مجموعة من الاعتقادات “ Dogmas ’’ من لا يؤمن بها جميعاً لا يستطيع ان ينتظر الخلاص.
ان الماسونية نهج في الحياة واتجاه عام في التفكير وفي الاعتقاد.
“المعتقد الماسوني لو كان فعلاً ديناً في المفهوم الذي نتصوره، لكان يتطور عبر التاريخ بتشذيب نفسه على الدوام، او بتكفير كل مذهب واختبار قام في كنفه، كما حصل في الشرق الاسلامي وفي الغرب، بل ان هذه المذاهب نمت، وتجلت هذه الاختبارات وظلت تعيش من ضمن الماسونية ذاتها عالقة بها كالاغصان بالنسبة لجذع العريش لواحد.
فنغمة الكفر والتكفير والزندقة والهرطقة وسواها من التعابير لا يسمع لها حس.
ليست الماسونية ديناً للأسباب التالية:
أ – هي من صنع الانسان، بينما الديانات سميّت الهية او سماوية للدلالة على انها ليست من صنعه.
ب – القضايا الدينية ثابتة لا تتغير بل تتغير مفاهيم الناس لها، اما القضايا الماسونية فطروح قابلة للتغيّر باستمرار.
ج – الدين يفرض على العقل قضاياه على انها حقائق، بينما تسمّي الماسونية قضاياها اقتراحات وتضعها امام العقل الحر للتفكير بها.
د – الدين يضع للانسان غالباً حدوداً تمنعه من تخطيها، اما الماسونية فلا تضع بين الديانات اية حدود، وتعتبرها في النتيجة متكاملة.
– والسبب في هذا الامتياز الذي يتمتع به الماسون لا يعود الى انهم مخصوصون دون غيرهم من الامم والشعوب.
ومعنى ذلك انه لا اساس للقول بالمعجزة الماسونية، فليس في الامر معجزة او ظاهرة خارقة للعادة.
وانما هي وليدة افكار مرّت بمراحل متعددة من التلاقح والتفاعل والتطور.
فتناولتها يد صناع وصهرتها بالتأمل والدرس حتى تمخّضت عن تلك، الزُبدة، في الفكر الانساني الرائع.